عندما يتحول الغناء العربي المصور إلى منتوج لتغليف الرداءة..!!!

عندما يتحول الغناء العربي المصور إلى منتوج لتغليف الرداءة..!!!

 

 صالــح اهــضير 

من الملاحظ ان للصورة بشكلها الحالي وظيفة جد اساسية وخطيرة في الفضاء الإعلامي المرئي بالقياس إلى باقي وسائل الاتصال السمعية البصرية الأخرى،وذلك نتيجة للتطورالحاصل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى حد الهيمنة على المتلقي وتحويله إلى أداة طيعة وجاهزة، بحيث أصبحت قادرة على تشكيل وعيه والتأثير في وجدانه وإحداث تغييرات ملموسة في تصرفاته وسلوكه.وبفعل هذا التطور السريع، تم إقحام الصورة في معظم المجالات بأساليب وطرق جديدة لم تكن معهودة من قبل، ومنه المجال الموسيقي.

وهكذا، وفي الوقت الذي بدأت تتأجج فيه نبرة الانتقادات ويحتد فيه الجدال حول البحث عن السبل الناجعة والكفيلة بمعالجة الوضعية المتأزمة للغناء العربي بغية انتشاله من مأزقه المظلم، بدأ يلوح عن كثب لون جديد من الغناء المصاحب للصورة او ما يصطلح على تسميته بالفيديو كليب باعتباره أسلوبا من الاساليب الغربية المستوردة والذي جاء ليزيد الطين بلة ويتحول بفضل التقدم المذهل لتكنولوجيا الصورة إلى تيار جارف يقود إنتاجاتناالغنائية إلى مهاوي التردي.ومما يؤسف له أن ذلك قد ترتب عنه فتح باب أخر للمساءلة بدلا من حصر الاهتمام في دائرة الازمة التي مست مضامين واشكال الاغنية العربية.وما كنت اظن ان هذا النقاش سيثار لو تم توظيف الصورة في اتجاه إيجابي سليم بحيث تكون في خدمة الاغنية وليس العكس ...

إن الغناء المصور كما يتضح من مدلول العبارة، مزيج من صوت وصورة، لكنه صوت منغم، أي جمل لحنية وإيقاعات منتظمة تتابع عند الاداء في ازمنة مضبوطة، وبديهي ان عماد الصوت هوالسمع مع إلغاء للرؤية التي هي عماد الصورة، ولذلك فالصوت مرتبط أشد الارتباط بالسماع وبدونه ينتفي وجوده.وأكثر من ذلك أن أحد المهتمين القدامى بموسيقانا العربية من امثال الإمام الغزالي يصنف السماع في اعلى المراتب حينما يورد في مؤلفه "أداب السماع والوجد" ما نصه "إن القلوب والسرائر خزائن الاسرار و معادن الجواهر، ولا منفذ للقلوب إلا من دهليز الأسماع، فالسماع للقلب محك صادق ومعيار ناطق ... ".

وبصدد التفرقة بين الرؤية والسمع، يرى "ميرلوبونتي" ان الرؤية تحلل ما تراه، فهي تأتي للإنسان من اتجاه واحد وفي وقت واحد، اما السمع،فإنه يستجمع الصوت في وقت واحد ومن كل اتجاه.ولما كان لحاسة السمع كل هذه الطاقة وهذه الميزة لالتقاط الصوت وحصره في مجال ووقت واحد، أي المقدرة على استيعابه وإدراكه في كليته ومن ثمة إلى التمييز بين حدته وغلظته وضعفه وقوته وجودته ورداءته، او ما إلى ذلك مما يتسم به من خصوصيات متعددة، فقد كان من السهل ان يعمد مخرجو ومنتجو الاشرطة الغنائية المصورة إلى التكنولوجيا الحديثة لتسجيل الصورة باعتبارها اجدر وسيلة للحد من اثر هذه الحاسة، وربما إلى تعطيلها عن وظيفتها اوطمسها.كل ذلك بهدف تغليف المنتوج الغنائي الرديء والمبتذل برداء قشيب يبهر الاعين ويضلل المسامع.ولا غرابة ان نسمع بعد ذلك احد الفنانين المرموقين والمتحمسين للغناء المصور وهو يدلي برأيه في استجواب تلفزيوني للقناة الاولى حيث يصرح بكل بساطة "إذا لم تعجبك الاغنية، فحتما ستعجبك الصورة !! ..."

إن الاغنية المصورة اثناء عملية الإخراج تتم بوسائل وآليات وتقنيات متعددة بناء على خطة محكمة تجعل إثارة المشاهد وتغليب الجانب العاطفي منه على الجانب المنطقي محور هدفها لتحيله خلال العرض على مشاهد ولقطات جذابة تتابع متسارعة إلى نهاية الوصلة الغنائية التي تستغرق دقائق معدودات.من ذلك ان الاغاني المدرجة عبر الشاشة الصغيرة ترتكز في ادائها على انتقاء اصوات فردية كانت او جماعية لمجموعة من الفتيات الجميلات والفتيان الوسيمين، تتنوع ازياؤهم من ديكور إلى ديكور بين لقطة وأخرى، وقد يصاحب الغناء في الغالب رقصات وإيماءات مثيرة؛ وخلال ذلك تتحرك الكاميرا في معظم الوقت المخصص للقطة الغنائية في اتجاه اجزاء معينة للجسد الانثوي هي اكثر إثارة وإيقاظا للغرائز، كتأطير الشفاه والوجنات والعيون وتقاطيع الجسم.وفي هذه الحالة، فإن المشاهد لا يملك سوى ان يظل مشدوها كالمكبل المجبر على المتابعة حتى نهاية الاغنية دون ادني اعتبار لمستوى وشكل هذه الاخيرة ودون ادنى احترام لذوق المشاهد وحسه الفني السليم .. .

كل هذه الجهود تتضافر من اجل تمرير قطع غنائية خفيفة وراقصة تتالف في بنائها اللحني من جمل موسيقية قصيرة وإيقاعات سريعة وهجينة.وطبيعي في هذه الاجواء الباهرة للصورة وهيمنة الآلات الموسيقية الإلكترونية الحديثة ان تغلف الكلمة لميوعتها، ويضيع اللحن لركاكته وهزالته إلى الحد الذي يكاد فيه الصوت البشري ان يصبح تابعا لا متبوعا.

وهكذا، وفي غياب قيم فنية ملموسة تسمو بالمشاهد إلى مدارج المتعة الوجدانية، يتحول رصيدنا من الغناء المصور إلى بضاعة تسعى إلى ترويجها عقلية يهيمن عليها المنطق التجاري تماما كماهو الحال في كل خطاب إشهاري يعمل جاهدا للدعاية لمنتوج كاسد بوسيلة تعتيمية تحيل على المظهر دون الجوهر.وهذا بالضبط ما يفسر الإحجام التام عن بقديم انماط غنائية راقية مثل الادوار والموشحات والمواويل والمنولوغات والقصائد الغنائية وكل اشكال القوالب الموسيقية العربية المتميزة، وبالتالي فليس من اليسير استدراج اقطاب هذه الالوان الغنائية إلى "مصيدة" التسجيل بطريقة الكليب، وذلك لاقتناعهم اولا بجدية اعمالهم ولوعيهم ثانيا بان الرضوخ لهذا المطلب مجازفة لاطائل من ورائها، اللهم إلا في حالة تستدعي إعطاء الصدارة والمكانة الاسمى للصوت الغنائي ..

وصفوة القول ان الاغنية العربية تعاني من ازمة خانقة، وقد زادها اختناقا اللهث وراء اسلوب جديد في التصوير اخفى معالمها ووجهها الحقيقي، تحت تاثير إعلامي زاحف دون إمعان من جانب مبدعيها، ومن غير روية او تمحيص، وفي غياب روح إبداعية وذوق وحس فني متميز.

-----------------------------------------------------

نشر لنا هذا المقال باسبوعية "المستقل" المغربية / العدد: 224 / من: 18/04/1998 إلى: 24/04/1998 ..

 

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل